محمد متولي الشعراوي

2749

تفسير الشعراوى

العامل ، إذن هناك شئ يفضح شيئا آخر . والقول المصري الشائع : « إن الذي يقوم بعمل المحارة هو الذي يكشف عامل البناء » . فلو أن الحائط غير مستو ؛ فعامل المحارة مضطر أن يسد الفجوات والميول حتى يستوى سطح الحائط . . والذي يكشف جودة عامل المحارة هو عامل طلاء الحائط ؛ لأنه إما أن يستخدم المعجون بكثرة ليملأ المناطق غير المستوية في الحائط ، وإما أن يجد الأمر سهلا . والذي يكشف جودة أو رداءة عمل عامل الطلاء هي أشياء طبيعية مثل الغبار . والعامل الذي يريد أن يغش هو الذي يسرع بتسليم البناء ؛ لأن الغبار الذي يوجد في الجو يمشى في خط مستقيم ، وعندما يوجد جدار تم طلاؤه بمادة غير جيدة فالغبار يلتصق به ، وكأن اللّه قد أراد بذلك أن يفضح من لا يتقن عمله ، وكل شئ مرده إلى اللّه حتى يصل الخلق جميعا إلى الحق سبحانه مفضوحين ، إلا المؤمنين الذين يعملون صالحا ، فهؤلاء يسترهم اللّه بعملهم الصالح . « إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً » . وسبحانه وتعالى سبق أن عرض لنا صورة المنافقين المهزوزة التي لا ثبات لها على رأى ، ولا وجود لها على لون يحترمه المجتمع الذي يعيشون فيه فقال عنهم : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ ( من الآية 134 سورة النساء ) والذبذبة لون من أرجحة الشخصية التي لا يوجد لها مقوم ذاتي . وسبحانه وتعالى حين عرضهم هذا العرض المشوه ، يوضح : أن جزائي لهم حق يناسب ما فعلوه . وقد هيأ الحق الأذهان ليجعلها مستعدة لقبول الحكم الذي أنزله عليهم حتى لا تأخذ الناس شفقة عليهم أو رحمة بهم ، وسبحانه حين يحكم حكما فهو يضمن بقيوميته ووحدانيته ألا يوجد منازع له في الحكم . وكان من الممكن أن يقول سأجعله في الدرك الأسفل من النار . ولن توجد قوة أخرى تنتشل المنافق ؛ لذلك أتبع الحق الحكم بقوله : « وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً » أي أنه حكم مشمول بالنفاذ ، ولن يعدله أحد من خلق اللّه ، فسبحانه له الملك وحده ، وقد جعل سبحانه الملك في الدنيا لأسباب الناس أيضا ، أما في الآخرة فلا ملك لأحد ولا ملك لأحد . لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( من الآية 16 سورة غافر )